News

Font + -           Bookmark and Share
  • دراسة عن النفط في لبنان: تحديات الداخل والخارج

    04 February 2013

    "الجمهورية": الإثنين ٤ شباط ٢٠١٣

    أنجز المهندس شادي مسعد، الرئيس السابق للصندوق المرآزي للمهجرين، دراسة عن ملف النفط والغاز في لبنان، ترآّز على التحديات التي تواجهها الدولة، وآيفية تجاوزها وصولاً الى حسنِ استغلال هذه الثروة...



    دخل لبنان، ومنطقة حوض البحر الابيض المتوسط مرحلة جديدة من التحديات على المستوى الجيو -سياسي والجيو - استراتيجي، في العقد الأخير من الالفية الثانية مع اآتشاف حقول النفط والغاز في المنطقة. وبعد المسوحات التي أجرتها شرآات عالمية متخصصة، انتقل الملف من مرحلة الاحلام والتخمينات الى مرحلة الاستعدادات لبدء استغلال ثروة طبيعية تقدّر قيمتها بمئات مليارات الدولارات. هذا الواقع يُحتّم على الدولة اللبنانية مواجهة مجموعة تحديات، والتعاطي مع الملف بمسؤولية وجدية، لئلا يتم هدر الثروة في متاهات سؤ الاستغلال، التوقيت الخاطىء، التلهّي بالخلافات، اضافة الى عدم اتقان اللعبة التجارية المتداخلة مع المصالح السياسية للدول.

    هذا الواقع الجديد يواجه مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية، ينبغي التصدّي لها، للنجاح في دخول نادي البلدان المنتجة للنفط والغاز.

    على المستوى الداخلي، تبرز المعوقات المرتبطة بمناخ الفساد العام في البلد، واجواء المحاصصات الطائفية والسياسية، والتي يمكن أن تودي بهذا الملف الى الفشل .

    في هذا الاطار، من المهم تحصين هيئة ادارة النفط التي جرى تشكيلها. وهذه الخطوة آانت أساسية في مسار استخراج النفط والغاز. لكن الأهم في المرحلة المقبلة، الترآيز على مسألة تلزيم استخراج النفط من خلال مناقصات دولية شفافة، لا تتداخل فيها المصالح الخاصة مع المصالح العامة. ومن المهم افساح المجال امام وزير الطاقة لكي ينفذ هذه العملية من دون أن يتعرّض لضغوطات، لحسابات سياسية او مصالح ذاتية ضيقة .

    لكن، وفي المقابل، لا يمكن التعاطي مع قضية تلزيم عقود استخراج الغاز والنفط بطوباوية تجارية بحتة. هذا الموضوع حساس وتتداخل فيه المصالح الاقليمية والدولية، وبالتالي، يجب ان تنظر الحكومة اللبنانية الى الموضوع من آل الزوايا، وأن تحاول استدراج الدول القادرة على حماية منابع النفط والغاز في المستقبل، من اية محاولة تخريب . على المستوى الخارجي، يواجه البلد مجموعة من الحقائق التي قد تُعرقل الافادة من الثروة النفطية، يأتي في مقدمها الموقف الاسرائيلي الطامع في تكبير حصته، عن غير وجه حق، من الثروة النفطية. وقد أظهرت نتائج المسوحات والصور المتخصصة، وجود حقل من النفط والغاز مشترك بين لبنان واسرائيل، التي تحاول السيطرة على جزء من الحصة اللبنانية فيه. هذا الحقل اآتشفته شرآة "نوبل اينيرجي" ودُعي "لافياتان". وآشفت الشرآة أن هذا الموقع قد يحتوي على ٤٥٣ مليار م ٣ من الغاز مما يُؤهله ليكون أآبر بئر غاز في العالم.

    هذا الواقع يحتّم على السلطات اللبنانية العمل على تحقيق أمرين اساسيين في المرحلة المقبلة:

    اولا – التنسيق مع قبرص للمساعدة على العودة عن ترسيم الحدود الذي أجرته مع اسرائيل، وأدّى عمليا الى حرمان لبنان من مساحة اقتصادية بحرية من حقه الطبيعي .

    ثانيا – اعتماد الدبلوماسية والصداقات الدولية لبلوغ هذا الهدف، من دون إهمال ورقة القوة التي يتمتّع بها البلد، بجيشه ومقاومته .

    ثالثا – التعاطي بدبلوماسية وحزم في آن، لمعالجة المشكلة مع اسرائيل التي تستخرج النفط من آبار على حدود منطقة الناقورة منذ العام ٢٠٠٥ . وهي بالتأآيد تسحب من آبار مشترآة مع لبنان، ولبنان وبسبب حالة العداء مع اسرائيل لا يستطيع الجلوس معها لترسيم الحدود المشترآة بل أن لبنان يطالب بذلك عبر لجنة خاصة من الامم المتحدة وهو ما اشار له القرار ١٧٠١ ، ومن الضروري دراسة موضوع الآبار المشترآة مع اسرائيل وآيفية توزيع آميات الضخ علماً أنه بحسب الخرائط الجوية الموجودة لدى وزارة الطاقة فإن لاسرائيل الحق باستخراج ما نسبته ١٢ % فقط من مساحة هذه الآبار، فيما مساحة الآبار ضمن الاراضي اللبنانية تصل الى ٦١ % و ٢٧ % قبالة جزيرة قبرص. وهنا يأتي دور الدبلوماسية من جهة، من خلال تسخير علاقات لبنان الدولية لحفظ حقوقه، ودور القوة من خلال الجيش والمقاومة، وقدرة لبنان على التهديد بضرب المنشآت النفطية الاسرائيلية لمنعها من التعدّي على الحقوق النفطية اللبنانية.

    رابعا – التحدّي الأهم في هذا الملف، هو من سيكون رئيس حكومة استخراج النفط في لبنان؟ خصوصا انه من غير المستبعد ان تحاول الدول المنتجة للنفط عرقلة التنقيب في لبنان، لما لذلك من تأثير على السياسة الاقليمية. الى ذلك، ينبغي أن تدرك الحكومة ان الدخول في نادي الدول المصدرة للغاز يحتّم عليها الاختيار بين أمرين، وآل منهما لديه سلبيات وايجابيات :

    اولا – التماهي مع الطموح الروسي بالابقاء على سيطرة موسكو على تصدير الغاز الى القارة الاوروبية. ثانيا- فتح باب اضافي لدول أخرى لمنافسة الروس في هذا المجال، آما فعلت اسرائيل مثلا، من خلال استبعاد الشرآات الروسية عن عقد استخراج الغاز، ومنحه الى شرآة استرالية.

    هذا الوضع يستطيع ان يستفيد منه لبنان الى أقصى الحدود، لأن المتنافسين سيقدمون عروضا أآثر اغراء للحصول على النفط اللبناني. ولا شك ان العملاق الروسي الذي استفاق في السنوات الأخيرة من آبوته الاقتصادية، على استعداد لتقديم عروض جيدة، عبر شرآة "يوآوف" النفطية. آما أن روسيا، هي من الدول القادرة من حيث المرآز والهيبة والتأثير على حماية منابع النفط اللبنانية. آذلك الولايات المتحدة تتمتع بهذه القدرات مع فارق، ان أميرآا قد تنحاز جزئياً الى اسرائيل في اي صراع على الحصص النفطية.

    في الوقائع المتوفرة حتى الان، يبدو ان اآثر من دولة رائدة في مجال استخراج النفط مهتمة بالحصول على العقود اللبنانية. وآان لافتا ما نقلته معلومات صحافية عن أن شرآة آآسون الاميرآية العملاقة تعرض الحصول على امتياز النفط في لبنان مقابل مبلغ مقطوع قدره ١٢ مليار دولار اميرآي اضافة الى ٣ مليار دولار يمكن الاستحصال عليها من المشتقات النفطية. وسيكون على الحكومة ان تتعاطى بهدؤ وحكمة مع هذا الموضوع لكي تُحسِن اختيار الشريك، مع عدم استبعاد نظرية الاستعانة باآثر من شريك، بحيث تصبح مصالح الدول المتناقضة، على تقاطّع في موضوع حماية النفط في لبنان.

    أخيرا، ملف النفط يستدعي الاتفاق مبكرا على آيفية الافادة من مداخيل هذه الثروة. وهذا الأمر لا ينبغي أن يتحوّل الى مادة تجاذبات سياسية، ترتبط بالمصالح السياسية والشخصية. وقد شهد البلد نموذجا لهذا الأمر منذ فترة، عندما فُتح النقاش على موضوع إنشاء صندوق خاص لمداخيل النفط، وبدأ الصراع المبكر بين اآثر من طرف على وضع الصندوق تحت وصايته .

    هذه الاشكالية يجب أن تُحل سريعا، وقبل بدء استخراج النفط والغاز. وقد يكون من المناسب تخصيص قسم من الحوار الاقتصادي الذي يكثر الحديث عنه في هذه الفترة، لمناقشة هذا الملف، واستعراض الافكار المطروحة للافادة بأفضل طريقة مجدية من المداخيل النفطية. وهكذا تكون الحكومة قد أشرآت القطاع الخاص بكل أفكاره الخلاقة المبدعة في عملية الوصول الى الصيغة الأنسب لادارة الثروة النفطية المتوقعة في لبنان، والتي لن تبدأ مفاعيلها قبل سبع وربما عشر سنوات. وهذا يعني أن من يرسم خطط الافادة من المداخيل، ينبغي ان تتوفّر لديه القدرة على توقّع صورة الاقتصاد اللبناني، في تلك الحقبة، وواقع الدين العام، وآل ما يحيط بالوضع المالي. وبالتالي، من المفيد الاتفاق على في السنوات المقبلة، وفق ما تفرضه (update) صيغة للمداخيل تكون متحرآة، لأنها قد تحتاج الى تعديل وتحديث ظروف وواقع الاقتصاد الوطني .

All rights Reserved ©     Sitemap  |  Terms & Conditions